محمد متولي الشعراوي

2804

تفسير الشعراوى

ولكن لم يلتفت أتباع عيسى إلى قول الإسلام في هذه القضية « وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ » وكان يجب أن يلتفت إليها أتباع المسيح . وحين يقص الحق كل ذلك فهو يحكم من بعد ذلك حكما إلهيا : ( بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ) النصارى يقولون بالرفع ، ولكن بعد الصلب . ونحن المسلمين نقول بالرفع ولا صلب ، رفعه اللّه إليه وسينزل . وحكمة ذلك أنه لم يوجد رسول من الرسل السابقين فتن فيه قومه فجعلوه بعضا من إله أو إلها فلم تسكت السماء عن ذلك ، فرفعه سبحانه وسينزله ليسفه هذه القضية ، وبعد ذلك يجرى عليه قدر اللّه في خلقه وهو الموت . إن الذين يقفون في هذه المسألة يجب ألا يقفوا ، لأن مسألة سيدنا عيسى عليه السّلام بدأها اللّه بعجيبة خرقت النواميس لأنه ولد من أم دون أب . فإن كنتم قد صدقتم العجيبة في الميلاد ، فلماذا لا تصدون العجيبة في مسألة الرفع ؟ وإن قال واحد منا : لقد مات عيسى عليه السّلام . نقول : ماذا تقولون في نبيكم محمد عليه الصلاة والسّلام ؟ أصعد إلى السماء معروجا به إليها ؟ ألم يكن رسول اللّه حيا بقانون الأحياء ؟ نعم كان حيا بقانون الأحياء . وظل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مدة وجيزة في السماء ثم نزل إلينا ، إذن فالمسألة في أن يذهب خلق من خلق اللّه بإرادة الحق وقدرته إلى السماء وهو حي ثم ينزل إلى الأرض وهو حىّ ليس عجيبة . والخلاف بين رفع عيسى وصعود محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالمعراج خلاف في المدة . وهذا لا ينقض المبدأ ؛ فالمهم أنه صعد بحياته ونزل بحياته ، وظل فترة من الزمن بحياته ، إذن فمسألة الصعود إلى السماء والبقاء فيها لمدة أمر وارد في شريعتنا الإسلامية . ولتأكيد هذه المسألة يقول الحق : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ( من الآية 159 سورة النساء ) السامع السطحي لهذه الآية قد يقول : إنهم أهل كتاب ولا بد أن يكونوا قد آمنوا به ، وأقول : لا . لقد آمنوا به إيمانا مرادا لأنفسهم ، وليس الإيمان المراد للّه ، آمنوا به إلها أو جزءا من إله وهو ما يسمى لديهم بالثالوث - الآب والابن وروح القدس - ولكن اللّه يريد أن يؤمنوا به رسولا وبشرا وعبدا .